السيد كمال الحيدري

67

معرفة الله

عندهم في خُلوّ أنفسهم من الشركة والأغيار ؛ يقول العلّامة الطباطبائي : « إنّ المُخلَصين هم الذين أخلصهم الله لنفسه بعد أن أخلصوا أنفسهم لله ، فليس لغيره سبحانه فيهم شركة ولا في قلوبهم محلٌّ ، فلا يشتغلون بغيره تعالى . . . » « 1 » . وتجدر الإشارة إلى أنّ القرآن الكريم قد استعمل الهيئتين معاً ، فتارةً يُعبّر بالفتح وأخرى بالكسر ، سواء في صورة الإفراد أو الجمع : قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي « 2 » ، وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ « 3 » ، دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ « 4 » ، إنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا « 5 » ، كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ « 6 » . وقد استعملها بالكسر وصفاً لهيئة الفعل في جميع مواردها الأحد عشر إلّا مورداً واحداً وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ بخلاف استعمالها بالفتح فإنّها دائماً كانت وصفاً لذوات في جميع مواردها التسعة ، ولعلّ هذا ممّا يؤكّد ما قدّمناه من أنّ متعلّق الاستخلاص الإلهي هو الإنسان ، وأنّ متعلّق الاستخلاص الإنساني هو الفعل « 7 » .

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 12 ص 173 . ( 2 ) الزمر : 14 . ( 3 ) البقرة : 139 . ( 4 ) يونس : 22 . ( 5 ) مريم : 51 . ( 6 ) يوسف : 24 . ( 7 ) وهنالك نكتة أخرى لعلّها تنفع في المقام ، وهي أنّ الإنسان المخاطب في الآيات التي جاءت بهيئة اسم الفاعل تجده إمّا مأموراً بالعبادة أو مأموراً بالدُّعاء إلّا في مورد الاستثناء المذكور أعلاه ، وهذا بخلاف ما عليه الحال في استعماله لهيئة اسم المفعول / / حيث تجد المُستَخلَصين دائماً موصوفين بالعبودية ذلك المقام الرفيع الذي قدّمه الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله على الملك ، فرضي أن يكون عبداً ولم يرض أن يكون ملكاً إلّا في مورد واحد حيث المُستَخلَص موصوفاً بالرسالة ، وهذا يؤكّد لنا حقيقة وهي أنّ مقام المُخلِصية هو مقدّمة لمقام المُخلَصية المتقدِّم رتبةً ورفعة .